أ- الفتن وإيقاد نار الحرب:
﴿ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [المائدة: 64].
ليس شيء كالحروب يهلك الحرث والنسل، فهي كالمحرقة التي تحرق مكاسب الشعوب والأمم، وتترك الأوطان والديار قاعاً صفصفاً، تدمّر الحضارات وتقضي على جهود الأجيال في البناء والتقدم.
ولقد أدرك اليهود هذه الآثار بجبلتهم فصرفوا جهودهم لإثارة الحروب بكل ما أوتوا من مكر ودهاء على أن لا يكونوا أحد الأطراف فيها بل يكونوا المستغلين المستفيدين منها، وكان الدافع لهم على إيقاد نار الحرب:
أولاً: الحقد الدفين على الأميين (الجويم) الذين خلقوا لخدمة الشعب المختار فتمردوا على الشعب، وسلبوه ماله وملكه بل كثيراً ما تسلطوا على اليهود فاضطهدوهم وأذاقوهم الويلات فلا بد من الانتقام منهم بإراقة دمائهم بأيديهم، وتدمير حضاراتهم.
ثانياً: استغلال الأطراف المتحاربة بتجارة الأسلحة ووسائل الدمار وإقراضهم المال اللازم بحيث يكون المنتصر في الحرب الخاسر المدين للبنوك الربوية العالمية.
ولو تتبعنا تاريخ الحروب في العالم ودرسنا الأسباب الخفية لإثارتها لما وجدنا فترة زمنية خلت من دسائس يهودية وأصابع لرجالاتهم وعملائهم في إشعال شرارتها، إما بفتن دينية أو مذهبية أو قبلية أو اغتيالات سياسية.
وكم من فتنة أثاروها خلال العصور ولم تكتشف أسبابها إلا بعد مرور فترة من الزمن كانت الشعوب تكتوي بنارها، مما أوجد نقمة عارمة لديهم على اليهود فأشفوا غيظ قلوبهم بتدمير أحيائهم وتشريدهم والقضاء على ممتلكاتهم، ولكن بعد فوات الأوان.
فعلى المستوى العالمي استطاع اليهود أن يجندوا طاقات ملوك ورؤساء أوربا وشعوبهم لحرب المسلمين قرابة قرنين من الزمن من 1095 – 1271م. تحت شعار تخليص الديار المقدسة من يد المسلمين وقد وجد اليهود في هذه الحروب الفرصة الذهبية التي تتيح لهم تقديم القروض إلى زعماء الحملات وأمراء المقاطعات والبارونات وسلطات الكنيسة بالربا الفاحش والمتاجرة بالعتاد والأسلاب، إلى جانب الأهداف السياسية وهي إضعاف قوة الإسلام والمسيحية معاً.
وقد كبدت هذه الحروب الإنسانية أرواحاً وأموالاً لا تقع تحت الحصر[1].
وفي العصر الحديث أوقد اليهود نار حربين عالميتين امتد آثارها إلى كل أقطار العالم بل لم تسلم مدينة ولا قرية من آثارها المباشرة وأزهقت أرواح عشرات الملايين من البشر، ومحت مدناً بكاملها من الوجود وتركت عشرات الملايين الأخرى من مشوهي الحرب، وكانت نتيجة الحرب الأولى تسخير طاقات الدول العظمى لإزالة العقبة الأساسية أمام هجرة اليهود إلى فلسطين، وتم لهم ذلك بالقضاء على دولة الخلافة الإسلامية التي كانت تقف في وجه هجرة اليهود إلى فلسطين، فبانتهائها وتوزيع تركتها على الدول الاستعمارية، ووضع بلاد الشام تحت الانتداب الإنجليزي الفرنسي تم لهم ما أرادوا بالهجرة وإقامة المستوطنات والتسليح لتشكيل نواة الدولة اليهودية.
وما إقامتهم المجازر لليهود في كل أنحاء أوروبا عامة وفي ألمانيا خاصة وبعد الحرب العالمية الأولى إلا ضمن خطة اليهود لترحيل اليهود جبراً عليهم إلى فلسطين، وكانوا قد أعلنوا عن إقامة اللبنة الأولى لهذه الدولة في مؤتمر بال بسويسرا عندما أعلن زعيمهم (هرتزل) عن وضع اللبنة الأولى في ذاك العام 1897م، وقال: "إن الإعلان الرسمي لها سيتم ما بعد خمسين سنة من ذاك التاريخ. فكان التخطيط للهجرة الطوعية أو الجبرية، التي توجت باستدراجهم لهتلر على اضطهاد اليهود – وقد بالغوا في ذلك كثيراً بغية[2] استغلال عطف الدول على اليهود وللتوجه إلى تدمير أوروبا عامة وألمانيا خاصة. فكانت الحرب العالمية الثانية التي ما كادت تضع أوزارها، حتى تشكلت هيئة الأمم المتحدة - وهي الخطوة الأولى نحو الدولة العالمية التي يسعى إلى إقامتها اليهود تحت سلطة ملكهم المتوج، والخطوة الثانية أعلن عنها بوش في النظام العالمي الجديد الذي تم انفراد الولايات المتحدة الأميركية بالسيطرة على العالم.
وكل الناس يدركون مدى النفوذ اليهودي في الإدارة الأميركية السياسية وتأثيرهم في المجالس التشريعية (الكونغرس). ولا زالت هناك خطوات، ليتسلم اليهود السلطة مباشرة بأنفسهم.
وتم الإعلان عن قيام دولة إسرائيل عام 1948م، فبادرت الدول العظمى للاعتراف بها، وهي الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن.
وتصريحات زعماء اليهود بعد الحرب العالمية الثانية، تدل على تخطيطهم للحرب العالمية الثالثة التي ستقضي على ثلثي سكان العالم، وبعدها يكون تتويج ملكهم على العالم وهو المسيح المنتظر عندهم، وبطبيعة الحال هو المسيح الدجال الذي يكون قيادات سلطته العسكرية والسياسية من اليهود، كما سنلقي أضواء على ذلك لاحقاً.
هذا على مستوى الحروب العالمية، أما على مستوى الفتن والاغتيالات والحروب المحلية والإقليمية فالأمر أكثر من أن يحصى: فمنذ بزوغ الإسلام، وعلى الرغم من معاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهود المقيمين في عاصمة الدولة الإسلامية، لم يخمد نار الحقد في قلوبهم، ولم تطفأ نار الفتنة التي كانوا يشعلونها بين المسلمين.
• فإثارة الفتن بين قبيلتي الأوس والخزرج بعد أن آخى الإسلام بينهم واستل من نفوسهم سخامة الجاهلية[3].
• التآمر على اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما كان السبب المباشر لإجلاء بني النضير.
• تأليب القبائل العربية الوثنية، وتقديم الدعم المادي والمعنوي لهم للقيام بغزوة الأحزاب ونقض العهود مع المسلمين[4].
• محاولة سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بواسطة أحد شياطينهم لبيد بن الأعصم[5].
• محاولة تسميم رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر[6].
• دور اليهود في مقتل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
• دور اليهودي عبد الله بن سبأ في إثارة الرعاع على الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه.
• الفتنة المزدوجة في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه فمن مشايعين له مبايعين في ذلك إلى حد العبادة، ومن مبغضين مناوئين إلى حد الرمي بالكفر والردة، مما أدى إلى قتال علي رضي الله عنه للفئتين.
• فتن الباطنية في العصر العباسي: ميمون القداح، القرامطة، الفاطميون، الإسماعيليون، والطوائف الباطنية الأخرى في بلاد الشام وغيرها، وكلها من بذور اليهودية وتخطيطها لتدمير العالم الإسلامي بالفتن والحروب[7].
• الجمعيات والأحزاب السرية والعلنية في العصر العثماني: الماسونية، حزب الاتحاد والترقي، تركيا الفتاة.
أما على الصعيد الآخر - خارج العالم الإسلامي - فحدّث ولا حرج، وإن كانت آثارهم تكشف في العالم الإسلامي بسرعة وتبقى في دائرة الخسائر المادية وذلك بفضل الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة وحفظه لدينها وإسلامها وشرائعها بحفظ الكتاب المنزل من التبديل والتحريف ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9].
فلم تصل مكائدهم وفتنهم إلى تحريف شرع الله فسرعان ما كانت تكتشف دسائسهم في القضايا العقدية وأحكام التشريع.
أما الأمم الأخرى فلم تكن لها هذه الحصانة الفكرية والأدبية فأفسدوها وحرفوها عن أصولها وأزاغوا مناهج مللها ومذاهبها، فلم يسلم دين من إفسادهم ولم تبق شرعة على منهجها.
وبين الفترة والأخرى أوحوا إلى بعض شياطينهم وعملائهم بتقلبات فكرية ومذاهب إلحادية للقضاء على مقومات تلك الأمم.
• فما ثورة كرومويل على العرش البريطاني إلا من تدبيرهم، وقضاؤه على ملك بريطانيا شارلس الأول عام 1649م إلا من تخطيطهم.
• والثورة الفرنسية التي اندلعت عام 1789م والتي قدمت فيها الألوف إلى المقصلة كانت بتخطيط اليهود وتمويلهم، وكان لروتشيلد الأول الدور البارز فيها.
• تمويل حملة نابليون بونابرت في أوروبا إلى مصر وبلاد الشام.
• التمهيد للثورة الاشتراكية في أوروبا والشيوعية في روسيا القيصرية في الأعوام 1860، 1905، إلى نجاحها في روسيا 1917م وتم كل ذلك بواسطة المفكرين والمخططين اليهود، أمثال كارل ماركس وانجلز.....[8].
لقد استخدم اليهود في فتنهم تلك كل الوسائل المتاحة لديهم من الرشوة والمال والتهديد بالفضائح الجنسية لأصحاب النفوذ والسلطة ولعائلاتهم، منها ما كان واقعاً ومنها ما لفّق عليهم تلفيقاً بالإضافة إلى الاغتيالات على يد المأجورين من عملائهم وقد شملت الاغتيالات التي خطط لها اليهود:
• اغتيال امبراطورة النمسا 1899م.
• واغتيال ملك إيطاليا 1900م.
• واغتيال الرئيس الأمريكي ماكينلي عام 1901م.
• واغتيال الأمير الروسي الغراندوق سرجيوس (عم قيصر روسيا) عام 1905م.
• اغتيال ملك البرتغال وولي عهده عام 1908م.
• اغتيال الأرشيدوق فرانسوا فرديناند وولي عهد الامبراطورية النمساوية وزوجته في مدينة سراجيفو في يوغوسلافيا يوم 38 حزيران 1914، وكانت الشرارة التي فجّرت بارود الحرب العالمية الأولى.
كانت هذه الاغتيالات المتلاحقة من تدبير أساطين البيوتات الربوية من اليهود لتمهيد الطريق لبعض عملائهم في الوصول إلى السلطة في بعض الأقطار ولإلقاء المسؤولية عن هذه المظاهر الفوضوية على المسؤولين السياسيين لعجزهم عن كفالة الاستقرار، ولتهيئة الأجواء لحرب عالمية لتكون سوقاً هائلة لصرف الإنتاج الذي تكدست به مستودعات المصانع الحربية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين[9].
ب- تدمير الأخلاق:
إن السياج الذي يحمي الأمم من الانحلال والدمار هو سياج العقيدة والسياج الخلقي المنبثق منها.
ولا تخلو أمة من عقائد تحيط أفرادها بنوع من التنظيم، تتوجه فيها مشاعرها إلى مقدسات تقدسها، وتنبثق منها أخلاق يلتزم بها الأفراد لتنظيم صلاتهم وحجر بعضهم عن بعض في الأعراض والدماء والأموال، والعقائد المنزلة على أنبياء الله ورسله على رأس هذه العقائد. وكلهم قد جاء بعقيدة التوحيد. ومن هذه العقيدة انبثقت الأخلاق الربانية من الصدق والكرم والشجاعة والإيثار والوفاء بالعهد والتواضع.
وعلى الرغم من انحراف كثير من الديانات السماوية القديمة عن عقيدة التوحيد فإن جملة الأخلاق لا زالت تترك آثاراً على مستوى الأفراد والمجموعات البشرية بل حتى كثير من العادات المتوارثة التي لا تتصل مباشرة بديانات سماوية تعارف أصحابها على أخلاق اجتماعية معينة.
وقد أثنى الرسول صلى الله عليه وسلم على بعض الأخلاق في العرب الوثنيين في الجاهلية فعندما كان يعرض نفسه على قبائل العرب في موسم الحج ومعه أبو بكر مر على بني شيبان بن ثعلبة فتقدم أبو بكر وعرفهم برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مفروق - وهو من سادتهم - إلى ما تدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله، وإلى أن تؤوني وتنصروني..
وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنعام: 151]. فقال مفروق: وإلى ما تدعو أيضاً يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90]. فقال مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، والله لقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك... وقال هانئ بن قبيصة - وهو صاحب دينهم -: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإني أرى إن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر زلة في الرأي، وقلة نظر في العاقبة وإنما تكون الزلة من العجلة، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقداً، ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر.. وقال المثنى بن حارثة – وهو صاحب حربهم –... وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثاً ولا نؤوي محدثاً، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه
Previous article:
مقال حربي اسرائيلي بيغيظنا فيه (11 years ago)
Next article:
اتفاقية مصر و اسرائيل (11 years ago)